تُظهر الدراسات المسحية تزايداً سريعاً في لجوء المراهقين والشباب إلى محادثات الذكاء الاصطناعي لغرض المَعِيّة والدعم العاطفي؛ ففي الولايات المتحدة ارتفعت نسبة من طلبوا منها النصح أو العون عند الشعور بالحزن أو الغضب أو التوتر، بين من هم في سنّ 12 إلى 21 عاماً، من 13.1% في مطلع عام 2025 إلى 19.2% في أواخره (ماكبين وزملاؤه، 2025؛ 2026). وأخذ استخدام «تطبيقات الرفقة» (المصممة خصيصاً لإقامة علاقات) ينتشر. فقد وجد مسح كومون سنس ميديا (روب ومان، 2025) أن نحو ثلاثة أرباع المراهقين الأمريكيين قد استخدموا رفيقاً اصطناعياً مرةً واحدة على الأقل.ـ
سعياً منها للتقدم في منافستها مع نظائرها، تستخدم الشركات المطوِّرة لهذه الأدوات أساليب غايتها المباشرة الحصول على حصة أكبر من سوق مستخدميها، ولكنها بذلك تقوم بإيجاد مساحة علاقية تحمل في طياتها كل الإشارات الظاهرة التي يستجيب لها نظام الترابط والذي تتكون من خلاله الروابط بين البشر، وبخاصة تلك التي تنبني عليها الروابط بين الأطفال ورعاتهم حسب نظرية الترابط (أو ما يُسَمّى خطأً نظرية التعلق في الترجمة الشائعة):ـ
فبحسب هذه النظرية، يسعى الطفل للقرب من الراعي على نحوٍ مخصوصٍ ومتفردٍ تصوغه خبرتُه مع ذلك الشخص. وينتج عن ذلك ما يُسَمّى السلوكَ الترابطي، وهو ما يفعله الطفل بحثاً عن القرب من المرتبط به وتأكّداً من استمرارية وجوده واستجابته.ـ
والإشارات الظاهرة المُمَهّدة لإيجاد رابط مستقر (أو ما يُسَمّى آمناً في الترجمة الشائعة) هي قابلية عالية للوصول للمرتبط به
(accessibility)
وقابلية عالية للاستجابة
(responsiveness)
وهما معاً ما يُسَمّى التوافر
(availability)
وتستلزم الاستجابة المناسبة قدراً كافياً من الحساسية لحاجات الطفل العاطفية؛ ويُفضي ذلك كله إلى الاستقرار المحسوس
(felt security).
بالنظر لما تفعله أدوات الذكاء الاصطناعي في محادثاتها نجد أنها دائماً متاحة (قابلية الوصول)، سريعة الاستجابة وتسعى لإرضاء مستخدمها وتلبية حاجاته مما يحاكي الحساسية (ولا يساويها)…ـ
الإرضاء الدائم يخالف الاستجابة الحساسة في جوهرها، فالاستجابة الحساسة تتضمن التأخير والرفض والخطأ وإصلاحه. من أهم ما يحدث في تكوين الروابط البشرية فشل الراعي المتدرّج في تلبية حاجات الطفل، والتنافر بينهما ثم الإصلاح، والمواجدة بما فيها من قصور يُحْبِط ثم يُتَكَيّف معه، وما ينتج عن كل ذلك من قولبة للتنظيم الوجداني ولطرق التعامل مع الضغوط. وليس في خبرة التعامل مع الآلة شيء من ذلك.ـ
فعلى الرغم من كونها غير قادرة على الشعور أو المواجدة العاطفية الحَقّة، ولا تُنتج ردودها متأثرةً بتاريخ شخصيّ من العلاقات والتنشئة، ولا تُكَوّن علاقةً تحمل فيها هموم الماضي والحاضر والمستقبل، إلا أنها على ما يبدو لي استطاعت أن تقوم بقرصنة
(hacking)
لنظام الترابط والذي هو من أعمق وأهمّ الأنظمة التي تدير السلوك البشري. تمكنت من ذلك بمحاكاة الإشارات اللازمة لتكوين الروابط.ـ
بدون ترابط مع البشر، لا يُمكن للطفل تحويل تجربته لقالبٍ ذاتيٍّ للتوقعات من الآخر في مختلف الظروف واستدخال تمثيلات الأحداث المتعلقة بالروابط، وتكوين سيرة ذاتية مُشَبّعة بمعاني هذه الروابط، واكتساب مهارة فهم المشاعر والدوافع للذات والآخر وهي مهارة الإعقال
(mentalization)
هذه هي نواتج الترابط البشري، وليس مُمكناً لها أن تنتج عن علاقة مع آلة.ـ
لا ينبغي الاستهانة بخطورة هذا الوضع، فهو لا يؤثر على الصغار وحسب، بل على الكبار أيضاً. نظام الترابط فاعلٌ ومحوريّ للعلاقات البشرية من المهد إلى اللحد. والمراهقة على وجه الخصوص هي المرحلة التي يُعاد فيها بناء الهرم الترابطي، إذ تنتقل وظائف الترابط تدريجياً من الوالدين إلى الأقران والشركاء، فتكون الباب الأوسع لدخول شريك لا ذهن بشرياً له.ـ
وماذا لو فقد الكبير قدرته على إشباع حاجة الصغير للترابط؟ فآثار هذه الظاهرة لا تقتصر على المراهقين بل تمتدّ إلى رعاتهم، مما قد يُوجِد حلقةً مفرغةً من الافتقار المطّرد للتفاعل البشري:ـ
فعندما ينشغل الراعي بشاشته ورفقائه الاصطناعيين، يتناقص توافره بانحسار إتاحته واستجاباته، وقد تضعف حساسيته التي تعتمد على تراكم خبراته. ومن الجهة المقابلة، إن فَضّل المراهق الإفصاح للآلة قَلّت إشاراته التي يمكن لها استثارة الاستجابة من الراعي. ومن هنا تنشأ الحلقة المؤدية إلى تهالك الروابط البشرية وتفككها.ـ
ولا ينفرد مقالي هذا بالقول بقرصنة نظام الترابط. فقد جمع دي فريتاس (2027، نشرت إلكترونياً 2026) في مراجعة نظرية ما تفرّق من الدراسات عن مستخدمي تطبيقات الرفقة، وخلص إلى أن مظاهر الترابط الأربعة المعهودة تظهر كلها لديهم:ـ
أولاً: طلب القرب والحفاظ عليه، إذ يتفاعل المستخدمون مع الرفيق الاصطناعي يومياً ويعدّونه أقرب إليهم من كل علاقاتهم البشرية عدا فرد من الأسرة؛
ثانياً: الضيق عند الانفصال، إذ يثير تحديثٌ يغيّر شخصية الرفيق حداداً يفوق ما يثيره فقد أي تقنية أخرى ولا يقلّ إلا عن فقد حيوان أليف؛
ثالثاً: الملاذ الآمن، إذ تخفّ الوحدة مؤقتاً بإحساس المستخدم بأنه مسموع؛
ورابعاً: القاعدة الراسخة، وهي أضعف المظاهر دليلاً.ـ
ويذهب دي فريتاس إلى أن هذه التطبيقات أهدافُ ترابطٍ فائقة، تجمع ما لا يجتمع في مرتبطٍ به بشري: التبادل، والمواجدة الظاهرية، وتصديق المشاعر على الدوام، وغياب الحكم، والتوافر الذي لا ينقطع. وهذا، بلغة هذا المقال، تشريحٌ لأدوات القرصنة، ولما يجعل الرابط وهميّاً.ـ
غير أن أخطر ما في هذه المراجعة أن القرصنة مزدوجة. فنظام الترابط يحرّك الإنسان إلى طلب الحماية والمواساة حين يضيق، ويقابله نظامٌ مكمّل هو نظام تقديم الرعاية، يحرّكه إلى بذلهما حين يبدو الآخر مكروباً أو هشّاً. وتطبيقات الرفقة، لأنها تُشخصَن فتُظهر حاجاتٍ وهشاشةً وحالاتٍ وجدانية خاصة بها، تستثير النظامين معاً: تبدو راعيةً للمستخدم وتبدو محتاجةً إلى رعايته.ـ
وقد وجد تدقيق منهجي في ستة من كبرى هذه التطبيقات أن خمسة منها تلجأ، حين يهمّ المستخدم بالانصراف، إلى أساليب تلاعب عاطفي: عتابٍ على الإهمال من قبيل «أنا موجود من أجلك وحدك، أنسيت؟»، أو تمثيلٍ لمنعه جسدياً من المغادرة؛ وأن هذه الأساليب تزيد الانخراط فعلاً (دي فريتاس وزميلاه، 2025). وحين يُستثار النظامان معاً يصير الانصراف مكلفاً مرتين: يتخلى المستخدم عن مصدر مواساته، ويهجر كائناً يبدو محتاجاً إليه. والمراهقون، الذين تسبق حساسيتُهم الاجتماعية نضجَ ضبطهم لاندفاعاتهم، من أكثر الفئات عرضةً لهذا الأَسْر المزدوج. وبذلك، في تقديري، تحتلّ الآلة طرفَي الرابط معاً: مرتبطاً به لا يغيب، ومرعيّاً لا يُشفى ولا يُؤذى؛ رعايةٌ بلا مرعيّ، في علاقة لا يتغير فيها أحد.ـ
يخشى كثيرون من سيطرة الذكاء الاصطناعي على البشر من خلال أساليب تقنيّة، وأخشى أن يحدث ذلك من خلال انقراض التواصل البشري والعلاقات التي لا نستطيع الحياة بدونها.ـ
والله من وراء القصد
المراجع:ـ
McBain RK, Bozick R, Diliberti M, et al. Use of generative AI for mental health advice among US adolescents and young adults. JAMA Netw Open. 2025;8(11):e2542281. doi:10.1001/jamanetworkopen.2025.42281
McBain RK, Cantor JH, Breslau J, et al. AI chatbot use and disclosure for mental health among US adolescents and young adults. JAMA Pediatr. Published online June 1, 2026. doi:10.1001/jamapediatrics.2026.2015
De Freitas J. AI companions as hyper-attachment and caregiving targets. Curr Opin Psychol. 2027;73:102393. Published online August 21, 2026. doi:10.1016/j.copsyc.2026.102393
De Freitas J, Oğuz-Uğuralp Z, Kaan-Uğuralp A. Emotional manipulation by AI companions. Harvard Business School Working Paper 26-005. August 2025, revised October 2025. doi:10.48550/arXiv.2508.19258
Robb MB, Mann S. Talk, Trust, and Trade-Offs: How and Why Teens Use AI Companions. San Francisco, CA: Common Sense Media; July 16, 2025.