إلى_متى_هذا_الجنون؟
نعم، أنا طبيب نفسي وأصف ما يحدث بالجنون، ليس لأني أحب الكلمة (بل أجد أنها يُساء استخدامها وتكرس التفرقة ضد الذين يعانون من الاضطرابات النفسية). بل أستخدمها لألفت النظر إلى أن ما يحدث يدل على خلل اجتماعي واسع النطاق له جذور نفسية عميقة جدا ومرتبطة بالبيئة التربوية التي ينشأ فيها الكثير من المسلمين اليوم. هذا الخلل يتفاعل بشدة وبشكل مرضي واضح مع الظروف السياسية والثقافية والاقتصادية التي يمر بها الشعب، ولكن تلك الظروف غير قادرة وحدها على انتاج هذا المرض دون ذلك التفاعل مع هذا الخلل.ـ
إنه جنون.ـ
لا أجد كلمة تختزل ما يحدث أكثر قدرة على التعبير عما أشعر به تجاهه.ـ
عندما نستخدم الكلمة في مجالنا، عادة نتحدث عن الاضطرابات الذهانية، وهي اضطرابات تضعف فيها صلة الذهن بحقيقة الأمور وقدرته على التمييز بين الواقع والخيال. هي اضطرابات يكثر فيها تصنيف الآخرين، كلهم أوجلّهم أو بعضهم، على أنهم أعداء يتآمرون لإلحاق الضرر بالشخص حتى وإن كان الظاهر من سلوكهم حسن النوايا. يكثر في هذه الاضطرابات أن يسمع أو يرى الشخص ما لا يسمعه ولا يراه الآخرون وأن يفسره لصالح ضلالته التي تقنعه باضطهاد العالم له. يكثر عند هؤلاء التفكير ثنائي التصنيف (إما أن تكون معي أو أن تكون عدوّي) وانعدام المرونة في الفكر.ـ
انظر لواقعنا: ليس منا من لا يعرف في أعماقه أننا سبب مشاكلنا وإن استفاد الغير من هذا الوضع فليس ذلك لأن الغير هو مصدر الشر، وإن كان البعض لا يدرك هذه المعرفة ويدفنها في العقل الباطن. ومن الطبيعي أن مثل هذا الإدراك يجلب القلق والكآبة والإحساس بالذنب، وكلنا يحب أن يتفادى هذه الأحاسيس. ولكن هذا التفادي يبدو أنه وصل لدرجة الضلالة عَلى مستوى مجتمعي، مجتمعنا جعل من مثل هذه الأحاسيس تهديداً لهويتنا واستقرارنا الوجداني لدرجة أن الكثير يختار (بدون وعي أو استبصار) أن يكون أعمى بشكل انتقائي لكي لا يرى هذه الحقيقة. مجتمعنا جعل الاعتراف بالخطأ عيباً وخطيئة. وجعل العيب والخطيئة صفة للآخر لا يتصف بها غيره ثم صبّ غضبه على الآخر لتصفية الحسابات الداخلية التي لا يريد أن تؤدي مواجهتها العادلة لجلد الذات أو فقدان الهوية التي لم نسمح لها أن تشوبها شائبة تدل على إنسانيتها. جعلنا نظرية المؤامرة هي قانون الله في الكون. وبذلك حققنا نتيجتين: الأولى أننا ملائكة والثانية أننا ضحايا للشياطين.ـ
أضفنا على ذلك انعداماً للمرونة الفكرية وتمسكاً متحجراً بقالب واحد لهويتنا، أخرجنا منه كل من اختلف عنا وأعطيناه عضوية فئة الآخر (التكفير أحد الأمثلة). وبالتالي، أصبح عدواً. وعندما تجتمع هذه الصفة مع نظرية المؤامرة، يصبح سهلاً أن نشعر بحقنا في "الدفاع عن أنفسنا" بقتل الآخر.ـ
جنون.ـ
يحدث القتل العشوائي، وتحدث الوحشية التي لم توصف بها النمور أو الأسود أو الذئاب أو الطيور الجارحة. وتحدث السباية واستعباد الآخر، ويحدث التهجير والمطاردة والطرد، ويحدث السلب والنهب وتعمد إنزال الرعب في النفوس. وكل ذلك يقابله خدر يصل للتنميل. يقابله تعجب ممن يشاهد المآسي على التلفاز وهو متكئ على فراش وثير. ولكن هل تدمى القلوب؟ هل تدمع العيون؟ هل تتهيج الأطراف رغبة في التحرك لإصلاح ما أمكن إصلاحه أو استدراك هذا المجتمع قبل أن يصطدم بقاع الهاوية التي ما زال في حال السقوط فيها منذ عقود؟
جنون.ـ
هذا الركون، هذا القبول غير المتأجج، وهذا الصبر على ما لا تقبله الفطرة ولا يشك محايد موضوعي النظرة في كونه تهديد وجودي لأن التاريخ لم يرحم أمة كان هذا منوالها... هذا الاستقبال الهادئ وإن كان متعجباً ومستنكراً يقابله تركيز وانتباه مفرط ودعاء من على المنابر على الآخر. إذاً أصبح هذا المُشاهد المتكئ جزءاً من المشكلة، ومصاباً بذات الخلل، وإن لم يصل لدرجة المشاركة الفعلية في السلوك الذي يشاهده على الشاشة، إلا أن الخدر الذي استقبل به المشهد سمح للمٓشاهد التالية أن تحدث، وسمح للمجتمع أن يستمر في السقوط في الهاوية.ـ
جنون.ـ
هل فقد المُشاهد القدرة على ربط المشهد بالواقع؟ هل آمن بضلالة الاضطهاد والمؤامرة لدرجة تمنعه من أن يرى أي دور له لا في أصل المشكلة ولا في حلها؟
هل يرى ويسمع ما يراه ويسمعه كل من في قلبه ذرة من الرحمة؟ هل لديه من مرونة الفكر ما يكفي ليرى أن تصنيف الناس والأمور إلى أبيض أو أسود هو تجاهل لِطَيْف الرمادي الذي ينتمي إليه ٩٩٪ من الناس أو الأمور؟
هل يعقل أن يتقبل السلوك الرافض والخطاب الرافض والقوانين الرافضة والسياسة الرافضة والإعلام الرافض، ثم يتهم الآخر بأنه سبب وحشيتنا؟
جنون.ـ
وما علاج هذا الجنون؟ ندرس في الطب النفسي علاج الاضطرابات الذهانية عند الأفراد. أما الظواهر الاجتماعية فهي في تعريفاتنا لا تكون أمراضاً تُعالٓج بالأساليب الطبية. لا أختلف مع ذلك ولا أظن أن ما يجري مرض أو اضطراب أو متلازمة بالتعريف الطبي. لكن لا شك عندي أن ثقافة رفض الآخر تبدأ برفضنا لأطفالنا؛ بحناننا المشروط بسلوك نقبله فيتكون عندهم القالب الاجتماعي الذي يُلزِم الآخر على الانصياع وإلا رفضناه؛ بالعنف الذي نؤدب به أطفالنا فنعطيهم به الإذن باستخدام العنف كوسيلة لتعديل الأمور؛ بالتفرقة العنصرية التي نربيهم عليها وخصوصيتنا الوهمية التي نغرسها فيهم ثم يجدون أن البشر درجات وأنواع وأصناف حتى في مؤسساتنا وسياساتنا ورواتبنا؛ بتقديم الغاية على الوسيلة ضمنياً أو علنياً؛ وأهم من كل ذلك، بأننا لا نشارك أطفالنا في أحاسيسهم فإما بالغنا في إهمالها أو بالغنا في حمايتها أو انعدمت قدرتنا على أن ندرك أحاسيسهم لأننا لم نجرب ذلك في طفولتنا مع آبائنا. عدم الاتصال الوجداني لا يسمح لنا أن ندرك إنسانية الآخر بشكل كامل. فإن انتقصنا من إنسانيته، فنحن كذلك لا ندرك إنسانيتنا بشكل كامل، وقيمتنا ناقصة في داخلنا كما انتقصنا من قيمة الآخر.ـ
ولعل الحل يبدأ هنا، يبدأ عند هذه الجذور، وتلك الآليات المرتبطة بالنماء النفسي، والمنتشرة في مجتمعنا انتشار النار في الهشيم.ـ

Back to Top