كم أتمنى أن ينتشر بيننا التفريق بين "تفسير" السلوك الظاهر لنا بمعرفة خلفياته ودوافعه وتاريخ القائم به والظروف المحيطة به، وبين "تبرير" السلوك والذي هو حكم عليه وعلى القائم به بالإخلاء/التقليل من المسؤولية أو بإثباتها.
تفسير السلوك مما نقوم به في #العلاج_التحليلي و #التحليل_النفسي لغرض معرفة العوامل التي ساهمت في حدوث السلوك. نبحث عن الجذور التي زُرعت وتم ريّها ببيئة القائم بالسلوك حتى أنبتت جذعاً لشجرة متعددة الفروع ملئى بالأوراق متشعبة الظلال وقد تكون لكل ورقة معنىً هاماً في حياته
أما تبرير السلوك فلا مكان له في العلاج. ليس من دور المعالج أوالمحلل أن يطلق الأحكام، وليس للأحكام دور علاجي، بل يسعى العلاج لمعرفة الأحكام التي يسقطها المريض على المعالج توهماً بأن المعالج يشبه في إطلاق الأحكام من كانت للمريض علاقات سابقة أو حالية معهم، والاستبصار بنمط الإسقاط
لذلك لا ننظر فقط لظاهر السلوك ونتائجه. وليس للظاهر في منظورنا ما يكفي لتفسيره، وإنما يَتَكشّف التفسير تدريجياً عبر جلسات علاجية تنمو فيها علاقة علاجية عميقة تسمح لأنماط تكوين العلاقات وأنماط استخدام آليات الدفاع النفسية ودوافع السلوك اللاموعية لأن تتضح وللاستبصار بها أن يبدأ 
أما إطلاق الأحكام على السلوك ونتائجه فيقتصر على النظر للظاهر وللحظة من الزمن، وإن تم الأخذ بالاعتبار بأي من الظروف الظاهرة المحيطة بالسلوك وبنتائجه فيكون ذلك غالباً لاستنتاج درجة التعمد. ومهما كان تفسير السلوك من المنظورالتحليلي فهو غير كافٍ لتبرير سلوك يستحق حكماً سلبياً
ولننظر مثلاً لردود الفعل بعد هزيمة المنتخب السعودي، سنجد في الكثير منها إسقاطاً لدوافع السلوك على اللاعبين أو المدرب أو المسؤولين. هي محاولات لتفسير النتيجة، وليس للحكم على الظاهر مما حدث، وليس في أي من ذلك أي احتمال للصحة على الإطلاق لكون تلك الدوافع لاموعية لأصحابها ومخفية عن الآخرين
وردود الفعل تلك تشبه ما نفعله في علاقاتنا الشخصية، حيث نسقط على الآخر دوافع نتوهمها ويُشكّل ذلك الإسقاط تفاعلنا وتعاملنا مع الآخر ومشاعرنا نحوه، ويدخل في تكوين العلاقة خاصة لو كان الإسقاط نمطياً. إلا أن ما يحدث هنا ليس جزءاً من علاقة شخصية، بل علاقة مُتَخيلة مع الفريق وأفراده
ولكون العلاقة المُتَخَيّلة غير تفاعلية (من طرف واحد) يصنع فيها الخيال اللامَوعي الطرفَ الآخر فإنه من الممكن أن تظهر فيها خفايا دوافعنا ويسهل أن يكون الفريق أو أفراده أهدافاً نطلق عليها ما كبتناه من مشاعر سلبية أو متنفساً لرغبات ودوافع إيجابية للإعجاب والنعت بالكمال.
ويغلب أن لا يصلح أي من ذلك لإطلاق أحكام موضوعية مبنية على البراهين الظاهرة وقابلة لأن تكون هادفة أو دقيقة. بل أرجو أن تكون هذه التغريدات قد أظهرت أن أقرب وصف للدقة لردود الفعل التي تُفترض فيها دوافع الآخر أو تفسيرات لسلوكه هو أنها ترتبط بشكلٍ أو بآخر بأصحاب ردود الفعل وليس الفريق

15/06/2018
@yasseraddabbagh
ياسر الدباغ
Back to Top