حيث أن العوامل البيئية والتربوية والميول الوراثية لبعض سمات الشخصية ووجود تاريخ للعنف أو الإجرام في الأسرة كلها عوامل تزيد من احتمال كل من السلوك العنيف والإجرام وكذلك من احتمال حدوث اضطرابات إدمان. أي أن العوامل المشتركة يرجح أنها تفسر العلاقة الإحصائية للإدمان بالعنف والجريمة. عوضاً عن عوامل اجتماعية في غاية الأهمية منها أن المواد التي يتم إدمانها لا تتوفر إلا تحت غطاء الجريمة، وهو سبب رئيس لارتباط بعض اضطرابات الإدمان بالعنف. فبدون غطاء عالم الإجرام ليس هناك علاقة واضحة أو العلاقة ضعيفة للغاية بين إدمان السجائر أو الأدوية الموصوفة وبين العنف والجريمة، ولكن العلاقة واضحة بينهما وبين إدمان الكوكائين والهيروين مثلاً. ـ
الإجابة هنا أن اضطرابات الشخصية، مع وصفها باضطرابات نفسية، لا يمكن الخلط بينها وبين ما هو متعارف عليه باسم "المرض النفسي"، وذلك كونها تصف فئات من الناس تكون سمات شخصياتهم سبباً لخلل وظيفي في حياتهم وعلاقاتهم مع الآخرين، وليست أمراضاًً طارئة أو ناتجة عن خلل واضح في نمو الدماغ أو ضمور فيه كالاضطرابات النمائية والمعرفية. بل تنشأ اضطرابات الشخصية من عوامل عديدة معقدة بينها الوراثية والكثير منها تربوية وبيئية. فهي إذاً جزء لا يتجزأ من ذات الشخص ولا يصح وصفها بالمرض. وإن افترضنا جزافاً أن اضطرابات الشخصية التي تزيد من احتمال السلوك العنيف يصح وصفها بالأمراض، فعددها تحصيه أصابع يد واحدة، بينما كلمة "المرض النفسي" تشتمل على أكثر من ثلاثمائة اضطراب عداها. أمن العدل وصم كل هؤلاء بالميول للعنف والجريمة؟ 
الإجابة هي بلى في الحالتين. إلا أن ذلك لا يتناقض مع التأكيد بعدم صلة المرض النفسي بالإجرام والعنف. وشرح هذه النقطة يتطلب من القارئ أن يعلم أن سلوك الإنسان، كل سلوكه، منشأه عقل الإنسان، أي أن دراسة الكيفية التي ينشأ بها هذا السلوك والعوامل المؤدية إليه من صميم اختصاص علم النفس، ليس لكونه مرضاً، بل لأنه جزء لا يتجزأ من السلوك الإنساني. أن يكون لعقل الإنسان دور في السلوك لا يعني كون ذلك عرضاً مرضياً. ولتقريب ذلك بمثل: كل المواد في الطبيعة لها تركيب كيميائي، لكن بعضها فقط له تركيب يؤدي لقابلية الاشتعال أو الانفجار أو التسميم. لو وصمت الماء بأنه مادة كيميائية فلا معنى لوصمك له بذلك ولا إضافة. لذا فسلوك الإنسان قد يكون إجرامياً ولكن أياً كان السلوك فللعقل الإنساني دور رئيس وراءه، وفهم هذا الدور مهم في التعامل مع السلوك والوقاية منه. لذا يوجد علم الإجرام. أما الطب النفسي الشرعي، فوجوده ضرورة لتقييم الحالات النادرة التي يتم فيها عمل إجرامي أثناء الإصابة بانتكاسة مرضية حادة. والواقع أن الغالبية العظمى من الحالات التي تشغل الأطباء النفسيين الشرعيين هي لمتذرعين بالمرض النفسي ممن يريدون تخفيف أو إسقاط التهم بذريعة رفع القلم عنهم لحظة وقوع الجريمة. والإحصاءات العالمية تظهر دون شك ندرة نجاح دفاع "فقدان العقل" في المحاكم الجنائية. ـ
فماذا إذاً عن الإرهاب؟ وماذا عن قتل الأقارب؟ إذا قبلنا بعدم الارتباط بين العنف والمرض النفسي، فلابد أن نقبل بعدم الارتباط بينه وبين الإرهاب. إلا أن المشكلة في الإرهاب هي أنه سلوك مرتبط بعوامل فكرية واجتماعية وتربوية يثقل على النفس قبول وجودها بيننا، ونتمنى سراً وعلانيةً أن لا يكون لفكرنا وتعليمنا وإعلامنا وثقافتنا دوراً فيها لأن أصابع الاتهام سنوجهها لأنفسنا ولمجتمعنا إن لم تتحقق تلك الأماني. من السهل إذاً أن نلقي اللوم على ما يبرئ مجتمعنا وفكرنا من هذه الظاهرة. كيف نلوم ثقافتنا إن كان القائمون بهذه الأعمال مرضى؟ وكون وصمة المرض النفسي في مجتمعنا تعزل المريض وكأنه من فئة "الآخر" وليس من فئة "نحن"، فهو حل سهل مريح. ويسهل اللجوء لهذا الحل عندما يتفشى سوء فهم الاضطرابات النفسية وينتشر قبول الصورة النمطية عنه المرسومة في كتبنا وإعلامنا. ننسى حينها أن التاريخ ملىء بما يثبت أن هذا السلوك نتيجة فكر متطرف ممزوج بثقافة رافضة للآخر متقبلة للعنف وغير مكترثة بالقيمة الذاتية للإنسان وحياته. فسلوك الخوارج في الفتن التي مرت بالمسلمين عبر العصور، وسلوك المغول في اجتياحهم لآسيا وسلوك الصليبيين في حروبهم والإسبان في تطهيرهم للأندلس والتطهير العرقي الذي لم يخلو عصر منه سواء في احتلال الأوروبيين للأمريكتين أو نازية الحرب العالمية الثانية. الأمثلة لا تحصى. الإنسان، مع الأسف، قادر على أقصى أنواع العنف بشاعة وعلى إنكار إنسانية الآخر في مقابل التمسك بفكر ما امتزج بهويته أو الدفاع عن عصبية عنصرية. أفنستغرب بعد ذلك ما نراه من سلوكيات من الإرهابيين؟ أما قتل الأقارب فلا حصر للأمثلة من التاريخ التي تبين أن الإنسان قادر على أن يفقد كل ارتباط عائلي لصالح فكرة أو مصلحة. كم من الملوك وصل لمنصبه بعد قتل أبيه أو أخيه؟ كم من الأبناء قتل أباه أو أمه بعد سنين من تعذيب من قُتِل له في طفولته؟ أي أن هذا السلوك شائع حتى بدون أيديولوجية دافعة له، فما بالك بوجود فكر متطرف؟ 
وأخيراً، فالمريض النفسي يستحق منا الرحمة والدعم وتوفير وسائل العلاج والوقاية ودمجهم في المجتمع ومحاربة وصمة العار التي تعيق الكثير إن لم يكن الغالبية من الاستفادة من العلاج وتعيق المجتمع من توفير العلاج وموارده البشرية والمادية. أما ما يدور من ربط للمرض النفسي بالإرهاب فهو من صميم الوصمة ونوع من العصبية والتمييز والتفرقة بين البشر. لا يختلف ذلك عن ميول الناس للاستنتاج أن مسلماً قام بالعمل الإجرامي الواقع في دولة غربية والذي وصل خبره إليهم للتو. ميولهم لاستنتاج ذلك مباشرة قبل أن تكتمل معلوماتهم وترتسم الصورة بكل أجزائها وقبل أن يبدأ التحقيق في تفاصيل الجريمة هو تعبير عن عصبية تميز المسلمين بالعنف والإرهاب، بينما غالبية تلك الجرائم يقوم بها غير المسلمين. وعندما نقوم نحن في مجتمعنا باستنتاج وجود مرض نفسي لدى من قام بعمل إرهابي قبل أن نعرف تفاصيل الحدث، فنحن نعاني من مثل ذلك التمييز المجحف الظالم للآخر. ـ
Back to Top