فيما يلي أسرد ردي على التغريدة التي نشرها د. سعيد عسيري (الصورة بعاليه)، والتي اقتبس فيها بعض المقولات عن مشاهير مدلولها أن عمق الوعي أو الإدراك أو الذكاء نقمة تؤدي بصاحبها إلى التعاسة أو الحزن أو الاكتئاب
-------------------
شكراً د. سعيد لدعوتي للمشاركة في نقاش حول موضوع أرى أنه جميل ويستدعي درجة من التفكر والاستبصار لكي نتعدى الفهم السطحي الذي يصاحبه لدى الكثيرين.

الأمر متعلق بكون الفهم أو الوعي مدعاة للمعاناة.

في الواقع هذه المقولة، وهي شائعة في كل الثقافات ويُعَبّر عنها بأشكال متنوعة، تلامس حقيقة *صغيرة* واقعية ومعلومة بالبراهين يناسبها الاستنتاج في المقولة، لكن يتم فهمها بشكل شمولي *كبير* يضم مفاهيم كثيرة ليخرج باستنتاج فيه تعميم بعيد تمام البعد عن الصحة...

عندما يتحدث هؤلاء عن الفهم، أو الإدراك، أو الوعي، فإن الحديث هنا عن حالة من المعرفة الموضوعية العميقة والشاملة وغير المنحازة بما يحدث في العالم من حول الإنسان عند شخص يتمتع بالقدرة على التعاطف الوجداني مع الآخر وبمعايير قِيَمِيّة مرتفعة. الجهد الجبار اللازم لتحقيق تلك الحالة في حد ذاته بحاجة لقدرات ذهنية عالية، ولكنه مرهق وجدانياً ويُعَرّض صاحبه لسيل من الصدمات التي تواجه قِيَمه وأخلاقياته. هذه الحالة بالتأكيد تُعَرّض صاحبها للمعاناة النفسية، إلا أن من يمرون بها قليلون على الأغلب وتجد

 بعضهم بين فئة من الكتاب والعلماء الذين ارتبطت أسماؤهم بأعمال ذات أثر كبير في التاريخ الإنساني، مثل هؤلاء المقتبس منهم هنا.

يتم التعميم من هذه الحالة الخاصة جداً لحالات أخرى مثل: 

١- توقع أن الجاهل لكونه غير قادر على الفهم (نقص في المقدرة الذهنية) أقل تعاسة من غيره... ولا يوجد ما يبرهن هذا إطلاقاً. وفيما يخص الاضطرابات النفسية، فنسبتها أعلى لدى ذوي الإعاقات الذهنية ويعانون في حياتهم من شتى المشاكل والصعوبات الناتجة عن عدم تواؤم قدراتهم مع مجتمع غير متقبِّل لاختلافاتهم

٢- توقع أن من لا يعلم دوافعه اللامَوْعِيّة وأثر العمليات الذهنية الخفية عن وعيه أو فهمه أقل تعاسة من غيره... ونعلم أن العكس بالضرورة هو الصحيح، وإلا لما كان لأي نوع من أنواع العلاج النفسي مردوداً يقلل من معاناة الخاضع لها. نسبة عالية من أنواع المعاناة النفسية يمكن ربطها بسطحية معرفة الفرد بما يجري بخفاء في ذهنه.

٣- توقع أن تجاهل ما يحدث حولنا في العالم وعزل حواسنا عن الأحداث سيحمي من التعاسة من لديه

 القدرة على الفهم والتشاعر مع الآخرين وتهمه القيم الإنسانية... في الحقيقة لم أجد براهين قوية لهذا التوقع الشائع، ومن منظور التحليل النفسي فإن هذا التجاهل ليس إلا دفن وإخفاء متعمد عن الوعي، لكنه يفشل في عزل العقل عن ما يحاول حمايته منه وبالتالي يكون للأحداث آثاراً غير مباشرة ويتحول التجاهل بحد ذاته إلى مشكلة بحاجة لحل.

٤- توقع أن تعمد تجنب الفهم أمر يستطيع المرء القيام به بشكل مَوعِيّ... وكأن العقل البشري مستقبل لمعلومات لكن لا يتصرف بها إطلاقاً، كما لو كان جهاز تسجيل بسيط. لا يوجد عقل بشري يعمل كذلك، وستتم محاولات الفهم والربط بين الأمور سواءً كان ذلك موعياً أو غير موعي. بل يكثر أن يصل الإنسان إلى فهم خاطئ بسبب محاولته عدم بذل الجهد في الفهم. أي أنه قد يعاني بسبب الفهم الخاطئ، في مقابل تخيله أنه تجنب معاناة الفهم الصحيح.

وهناك أمثلة أخرى على حالات أخرى يتم تضمينها في هذه المقولات. لذلك أَجِد أنها أمْيَل إلى أن تكون مقولات مضللة. 

عوضاً عن ذلك هنالك مسألة أخرى في غاية الأهمية، وقد تحدث فيها كثيرون ولكنها تبقى نظرية بحاجة لدراسة:
 كون الكثير ممن قال بذلك يُحتمل أن يكون قد عانى من الاكتئاب في حياته، وليست المشكلة في ذلك، لكن توجد ثلاث ظواهر ذهنية معروفة أولها أن الكثيرين ممن يعانون من الاكتئاب يصبح لتفكيرهم قدرة عجيبة على إيجاد الجوانب السلبية في الأمور. وهناك ظاهرة أخرى هي الحاجة الملحة لتفسير الخبرات الذاتية (وهي ليست مرتبطة بالاكتئاب)، حتى لو تطلب ذلك العبث بمحتوى الذاكرة للوصول لتفسير مقبول. والظاهرة الثالثة هي عدم وعي المكتئب بحالة كونه مكتئباً في البداية، بحيث أن أول الملاحظين هم من حوله. وعندما يكون المكتئب مفكراً ذو علم وقيم، فإن لذلك عظيم الأثر عليه حيث تظهر له مساوئ الدنيا بوضوح أكثر وعنف أعظم. ومن المعلوم عدم قدرة الإنسان أن يحدد الاتجاه السببي في الأحداث المرتبطة ببعضها سوى عن طريق التسلسل الزمني ما لم يقم بدراسات علمية  ممنهجة. هنا يقوم المكتئب بقلب التسلسل الزمني (بسبب تأخر إدراكه باكتئابه) فيظن أن فهمه لمساوئ الدنيا سبق شعوره بالاكتئاب وبالتالي يستنتج أن الفهم العميق سبب معاناته.

المعذرة على الإسهاب وشكراً مرة أخرى

08/09/2018
@yasseraddabbagh

Back to Top