كثير من أنماطنا السلوكية والعلاقية، بل أزعم أن الغالبية العظمى منها لامَوْعيّة وتحدث تلقائياً دون جهد من التفكير أو التخطيط. ومن أهم هذه الأنماط ما يتعلق منها بتربية الأطفال.
أحاول في هذه السلسلة شرح هذه الظاهرة وأهميتها وعلاقتها بتلك العبارة (عنوان المقال) والتي نسمعها كثيراً في التحليل النفسي والعلاج التحليلي طويل الأمد...
في حقيقة الأمر، لم تنشأ أغلب ردود أفعالنا وتفاعلاتنا وانفعالاتنا وتصرفاتنا مع أطفالنا نتيجة لدراسة أو نصائح أو قراءة لكتب تربوية. بالتأكيد يستفيد المرء من تلك القراءة وتلك الدروس، والتي يكثر أن تأتي بعد الإنجاب. إلا أن الفرق الذي تحدثه، مهما كانت درجة الالتزام، محدود وغير ذي استمرارية، ولا يتعدى السلوك الظاهر ليؤثر على المشاعر الباطنة إلا عند القليلين. وقليلاً ما يستطيع أب أو تستطيع أم أن تواصل الالتزام بدرس أو نصيحة أو بمحتوى كتاب لفترة طويلة أو في مختلف الظروف والمواقف التي تواجه الوالدين أو انفعالاً لمختلف سلوكيات الأطفال التي يواجهانها...
لماذا لا يكون العكس هو الصحيح؟
هي حقيقة تصعب مواجهتها والقبول بها، ويسهل إنكارها ومعاندتها... إلا أن هذه الحقيقة هي سبب الاندماج المحدود والبطيء والجزئي لمبادئ التربية الحديثة في أنماط التربية الفعلية على الرغم من انتشار الوعي بها وتعدد مصادرها. وهي السبب الذي يفسر كثيراً من خبرات الأطباء النفسيين والأخصائيين النفسيين السلبية والنتائج المخيبة للآمال للتوجيهات المقدمة للأمهات والآباء بخصوص سلوكيات أطفالهم.
فما سبب هذه الظاهرة؟
لا توجد في حقيقة الأمر مدرسة أو كلية تُخَرّج طلابها بشهادات في الأمومة أو الأبوّة يحصلون عليها قبل الإنجاب...
بل نحصل على تلك الشهادات ونحن في سن الثالثة من العمر نتيجة مرورنا بتجربة نشأتنا وخبراتنا في تنشأة أمهاتنا وآبائنا لنا في مرحلة من حياتنا لا نذكر منها شيئاً!
لكي نفهم ذلك لابد لنا من فهم طبيعة تكوين الذاكرة، وخاصة في السنين الأولى من حياتنا...
يمكن تقسيم الذاكرة طويلة الأمد إلى صنفين:
*ذاكرة روائية*، وهي التي تمكننا من سرد قصة ما حدث وتتشكل في عقولنا بصورة حسّية مَوْعيّة ومتسلسلة ويسهل استدعاؤها وتحويلها لمحتوى لغوي يمكن للشخص التحدث به أو كتابته؛
والصنف الثاني هو *الذاكرة الإجرائية*، والتي يتم تثبيتها في عقولنا على هيئة مهارات وأنماط سلوكية تلقائية دون أن ترتبط بالضرورة بالقصة التي أدت إلى تعلم تلك المهارات أو الأنماط السلوكية.
يمكن لأيّ منا أن يسرد قصة حدثٍ ما، لكن يصعب أو يستحيل أن يروي لنا كيف تعلم المشي أو الكلام أو القراءة أو طريقة الإمساك بالملعقة أو مهارة لبس الملابس.
من المعلوم بديهياً والثابت من براهين بحثية أن الذاكرة الروائية طويلة الأمد محدودة جداً في السنين الأولى من العمر. من السهل على الشخص البالغ تذكر العديد من أحداث العام الماضي (أو حتى أحداث المرحلة الابتدائية مثلاً) بتفاصيلها، بل قد يستغرق الأمر ساعات لسرد تفاصيلها. بينما قد لا يستطيع تذكر أكثر من مواقف أو لحظات معدودة على أصابع يدٍ واحدة حدثت قبل سن الخامسة من العمر.
السبب في هذا يكمن في أن السنين الأولى من العمر، وبخاصة أول سنتين، هي السنين التي نتعلم فيها ما تم تقديره ب90٪؜ من كل مهاراتنا ويتم تخزينها في الذاكرة بصورة إجراءات وليس روايات!
قد يظن القارئ أن تلك النسبة مبالغ فيها، لكن تمعن معي: أيهما أكثر صعوبة وتعقيداً وأهمية: الانتقال من انعدام القدرة على إحداث أصوات مفهومة إلى القدرة على التخاطب بالكلمات والجمل واستخدام اللغة (مهارة تكتمل في نهاية السنتين الأولى)، أم الانتقال من القدرة على استخدام اللغة إلى القدرة على انتاج الشعر والأدب؟ أيهما أكثر صعوبة وتعقيداً وأهمية: الانتقال من انعدام القدرة على استخدام الأصابع في الإمساك بأي شيء إلى القدرة على الإمساك بشيء ما بالسبابة والإبهام (مهارة تكتمل قبل سن 9 أشهر)، أم الانتقال من تلك القدرة إلى الإمساك بمبضع الجراحة أو ريشة الرسم أو قلم الكاتب؟
وقس على ذلك كل مهارات البشر: يتم تعلم المحور الأساسي لها في السنين الأولى ابتداءً من العدم، ثم يتم تطوير دقائقها وتفاصيلها للقيام بمهام أكثر تعقيداً مع نمو الشخص... وكأنما المسألة تشبه الكيفية التي يقوم بها النَّحّات في صناعة تمثال من صخرة كبيرة: يتم نحت الصخرة التي لا شكل واضح لها ليظهر فيها شكل عام بهيئة إنسان في المرحلة الأساسية، لكنه لا يعتبر عملاً فنياً إلا عند إتقان تفاصيل العينين والشعر والأنامل وتعبيرات الوجه في المراحل التالية من عملية نحت التمثال. فمعظم ما تفقده الصخرة في عملية النحت يحدث في المرحلة الأساسية. إلا أن *اللّدونة العصبية* التي هي أهم خواص الدماغ البشري تسمح بدرجة أعلى بكثير من التعديل والتغيير من النحت في الصخر، وبإمكاننا طوال عمرنا أن نتطور ونتعلم ونتغير، وإن كانت هذه القدرة تتناقص مع الزمن.
أظن أن القارئ يتساءل: ما علاقة كل ذلك بتربيتنا لأطفالنا؟
الإجابة هي أن ذاكرتنا الإجرائية التي تم تخزينها في طفولتنا ليست مقتصرة على المهارات العضلية واللغوية، بل تتعداها لتشمل أنماط العلاقات: نتعلم في طفولتنا كيف نكون أطفالاً مع أمهاتنا ومع آبائنا، ونتعلم في ذات اللحظة كيف نكون أماً أو أباً لطفل. نتعلم كيف نكون زوجة أو زوجاً بمجرد وجودنا مع والدينا شهوداً على علاقتهما الزوجية. تتم قولبة العلاقات بشكل تلقائي عندما تتكون لدينا الخبرة الأولى لأي نوع من العلاقات، وبعد نشوء القالب الابتدائي يُضاف إليه ويتم تعديله شيئاً فشيئاً مع مرور الزمن وتراكم الخبرات في تلك العلاقة وما شابهها من العلاقات. وتقل القدرة على تغيير ذلك القالب كلما تقدمنا في العمر، لكنها لا تتوقف أبداً. إلا أن مصدر أغلب ما تحتويه قوالب علاقاتنا هي خبراتنا في السنين الأولى من حياتنا.
تلك المهارات العلاقية والبينشخصية ليست سلوكية وحسب، بل تحتوي أنماطاً انفعالية وعاطفية وفكرية لامَوْعية. تلك الخبرات المبكرة تؤدي لتخزين تلك العلاقات الأولى بكل محتوياتها كيفما كانت في الخبرة الذاتية للطفل، أو نسميه *استدخال* العلاقات و*استدماجها*، وتصبح مكونات أساسية في بنية ذات الطفل ونماء شخصيته، وبالتالي تصبح يوماً ما مكونات شخصية الأم أو الأب! فما كلٌ منا سوى بناء من عدة طوابق، أساساته والطوابق الأولى منه علاقاتنا مع أمنا وأبينا ومن كان له دوراً محورياً في نشأتنا!
ولكون تلك المهارات العلاقية والبينشخصية إجرائية في طبيعتها، فليس من السهل تغييرها في مرحلة لاحقة من العمر بإضافة محتويات "روائية". أي أن المعلومات الإضافية التي نكتسبها من قراءة الكتب التربوية ومن النصائح ومن الاستماع لتجارب غيرنا ومن الدراسة ومن توجيهات الطبيب أو الأخصائي ومن غير ذلك من المصادر، كل تلك المعلومات يتم تخزينها روائياً بشكلٍ أساسي، ويقلّ أن يتم تخزينها إجرائياً في ذاكرتنا إن لم تتم تجربتها مراراً وتكراراً لتتحول لخبرة إجرائية. وحتى عندما يحدث ذلك، فمن الصعب تثبيت تلك الإضافات والتعديلات في القوالب العلاقية لدينا لأنها لم تنشأ بشكلٍ بينشخصي أو علاقي، بل بشكلٍ فكري بالدرجة الأولى.
لذلك فإن أنجح طريقة لتعديل القوالب العلاقية التلقائية هي المرور بخبرة علاقية عميقة ومؤثرة مرتبطة بتلك القوالب لكنها مختلفة في أنماطها.
لا يحدث ذلك كثيراً في حياة معظمنا... لكن عندما يحدث ذلك، يكون لها أعظم الأثر. مثل هذه الخبرات تتطور على مدى سنين، وليست في الغالب مخططاً لها أو نتعمد أن نمر بها لنتعلم أنماطاً علاقية مختلفة...
ومن القليل أن تتكون علاقات جديدة في حياتنا مغايرة بشكل جذري للعلاقات التي تقولبنا عليها، حيث أن الإنسان يميل وينحاز بشكل لامَوعي لتكوين العلاقات التي يسهل دمجها في القوالب التي نشأ عليها. وهذا من أسباب ظاهرة إعادة التاريخ لنفسه في علاقاتنا... فما أكثر أن تتكرر شكوانا من نفس الظواهر أو ما يشابهها في علاقاتنا، وكأنما تنجذب إلينا مغناطيسياً، بينما مَكَّنّاها من التكرار بلا وعيٍ منّا!
إلا أنه من الممكن من خلال العلاج النفسي طويل الأمد تكوين علاقات علاجية ذات أثر بالغ وبالتالي يكون لها أثراً على أنماطنا العلاقية... يحدث ذلك لأن طبيعة العلاقة العلاجية هي أن تجعل من السهل على الخاضع للعلاج أن يمر بكل المشاعر العلاقية التي مر بها في حياته بشكل مباشر أو غير مباشر خلال العلاقة العلاجية، وهي الظاهرة التي نسميها *التحويل* أو *الإنقال* (باختلاف الترجمات لمصطلح Transference)، وهي ظاهرة لاموعية تحدث في كل العلاقات البشرية يمر فيها الشخص في العلاقة الحالية بمشاعر وانفعالات وأنماط سلوكية ناشئة من علاقات سابقة. يشعر الخاضع للعلاج تجاه المعالج بالكثير مما شعر به تجاه أمه وتجاه أبيه وفي أي علاقة مهمة في حياته، ويحدث كثيراً في العلاج أن تُعيد الخاضعة له تجربة هذه العلاقات ومحاولة تكرار أحداثها، إلا أن مسار العلاج الناجح يخرج بها لمخرجات جديدة وتنتج عنه خبرات مغايرة...
وَمِمَّا يميّز التحليل النفسي والعلاج التحليلي والعلاج الديناميكي هو تركيز هذه الأنواع من العلاج على ظاهرة التحويل (الإنقال) اللاموعي. وبدون الخوض في تفاصيل معقدة للغاية كُتبت فيها مئات من الكتب لآليات ومتغيرات العلاقة العلاجية التحليلية، فإن ما يحدث في تلك العلاقة يصبح محور العلاج ونقطة الانطلاق للتغيير في حياة الخاضعة للعلاج. يمر الخاضع للعلاج هنا بخبرة علاقية متفردة من نوعها... لا يتم فيها مناقشة الأنماط السلوكية والعلاقية اللاموعية وحسب، بل تتعدى ذلك النقاش (والذي يعمل بشكل محوري على الجزء الروائي من الخبرة العلاقية) إلى أن تكون نفس العلاقة تجربة إجرائية جديدة يتم بها تدريجياً تعديل الكثير من أنماطنا السلوكية وقوالبنا العلاقية. ذلك لأنها علاقة يتم استدخالها شيئاً فشيئاً في مكونات شخصية الخاضع للعلاج.
يكثر أن نسمع من الخاضع للعلاج بعد استبصاره بمنشأ أنماطه السلوكية توجيهاً للوم إلى الأبوين (عنوان المقال). وليست المشكلة حقيقةً فيمن يجب توجيه أصابع الاتهام إليه... ففي *النهاية* يريد الخاضع للعلاج أن يتحسن، وعليه إذن تحمّل مسؤولية التحسن لأن الماضي لا يمكن أن يتغير. فهمنا للماضي وتعاملنا الصحي معه خطوة مهمة في العلاج، والمرور بتجارب وخبرات علاجية مؤثرة أمر محوري ولكنه صعب، ويحتاج لمثابرة واستمرارية في العلاج واستثمار في تطوير الذات يكون الخاضع للعلاج في دور القائد لمسيرته وليس المنقاد. وفي *البداية* يصعب أن نلوم أبوين كان لكل منهما أبوان ومَرّا بخبرات في طفولتهما شكّلت شخصيتيهما ونتج عنها خبرات الخاضعة العلاج... بل وينطبق ذلك على كل من الأجداد، وأجداد الأجداد... لذا فإن التتبع السببي الهادف لتوجيه اللوم لا نهاية له ولا جدوى. بل من النتائج المرجوة من العلاج النفسي طويل الأمد أن تصل الخاضعة للعلاج لدرجة من التراحم والتصالح مع علاقات الأبوين المستدخلة في شخصيتها نتيجة لاستشعارها واستبصارها بتشابه منشأ خبراتها بمنشأ خبراتهما.
إلا أن خبرات علاقية أخرى يمكن لها أن تترك آثاراً عميقة مغايرة للأنماط التي استدخلناها من أبوينا... فكم من معلّم تكونت بينه وبين تلميذه علاقة عميقة شكّلت شخصية التلميذ، وكم من صديقة تمحورت صداقتها على القبول غير المشروط والولاء والمحبة التلقائية استطاعت بصداقتها سد ثغرة عاطفية لدى صاحبتها... تلك العلاقات المغايرة لا تضيف فقط للشخص مزاياها، بل تتخطاه إلى علاقات ذلك الشخص كلها، بما فيها أطفاله!
لذلك فالمتأمّل في كل ما سبق يدرك مدى تعقيد نشأة علاقة الأبوين بطفلهما (بل ونشأة أي علاقة بشرية هامة)، ولعل ذلك الإدراك يؤدي لطرح التفسيرات السطحية البسيطة جانباً... فعلى الأمهات والآباء منّا الرفق بذواتنا... كم منهم من يقسو على ذاته ويؤنبه ضميره على الصغيرة والكبيرة في حياة أطفاله... وكم منهم من يعاني بصمت مع العجز عن إحداث تغيير جذري في تعامله وتربيته لطفله...
وكما يوجد من هي شديدة القسوة على ذاتها من الأمهات، فيوجد من لا يحتمل نفسياً تقبّل أيّ نسبة من المسؤولية في سلوك طفلته، ويعتبر طفلَته مصدر المشكلة برمّتها، غير مدركٍ بمدى أثر سلوكه وانفعالاته ومشاعره على طفلته، بما في ذلك ميلَه للوم طفلته والذي قد يصبح في مستقبل الطفلة ميولاً لإسقاط اللوم على الآخر و/أو تنصلاً من مسؤولية تربية الجيل التالي...
وكما يكون الميل لإسقاط اللوم جزءاً مما قد تتوارثه الطفلة عن أبويها، فالرفق والرحمة بالذات يستدخلها الطفل كذلك في تكوين شخصيته ويُوَرّثها بدوره لأطفاله... فلعلّنا ننظر في المرآة بعمق وتكرار واستدامة تمكّننا من معرفة ذواتنا، فعندما نعرف ذواتنا حق المعرفة يمكننا أن نتفهم تجربة أبوينا ويمكننا أن نفهم ما يحدث بيننا وبين الآخر، ولعل أهم *آخر* وهو طفلنا.

Back to Top