‏حذّر سيݠموند فرويد من خطر إخراج اللامَوْعي إلى النور دون احتواء كافٍ. حين تنهار آليات الدفاع فجأة، ينطلق القلق والذنب وتُحَرّر الرغبات والأماني من مكابحها الواقعية دون بنية قادرة على استيعابها واحتوائها بأمان. هذا بالضبط ما يحدث كثيراً في العلاج النفسي المعاصر: يصل الاستبصار أسرع بكثير من قدرة الذات على احتوائه.ـ
‏المشكلة أن هذا المحتوى العلاجي يقدم لغة دون علاقة علاجية، واستبصاراً دون تناغم، وأُطُراً نظرية دون تنظيمٍ انفعالي. النتيجة؟ يجد المتعالج نفسه وحيداً أمام انكشافاتٍ نفسية لم يكن جهازه العصبي مستعداً لتحملها. تُكشَف الجراح دون دعم، فيبقى مكشوفاً، مفرط الوعي، مرهقاً - وهو نقيض ما كان يُفترض أن يحدث من طمأنينة وتكامل تدريجي.ـ
‏بدلاً من الارتياح، يزداد الأمر سوءاً. يصبح المتعالج مفرط اليقظة تجاه نفسه، ناقداً لذاته بقسوة، يراقب ويسرد كل ردة فعل. يخلط بين الوعي والشفاء، وبين مراقبة الذات وفهمها. كل هذا يحدث دون احتواء، دون توجيه، دون إيقاع مناسب، دون دعم أو تكامل حقيقي.ـ
‏الترتيب الصحيح للشفاء يبدأ بالاحتواء: الأمان أولاً، ويأتي من خلال الإيقاع المناسب والعلاقة العلاجية المستقرة، وبعد ذلك فقط يمكن أن يأتي الاستبصار. هذا الترتيب يسمح بهضم المادة النفسية تدريجياً. أما حين تُلقى هذه المادة مباشرة في المَوْعي دون استعداد، فإنها تُرهق المتعالج وتزعزع استقراره العاطفي والنفسي.ـ
‏دون الاحتواء الكافي، يتحول الاستبصار من أداة تحرير إلى اقتحام مؤذٍ. يصبح الشفاء مجرد أداء يُقَيَّم، ومقياساً للنجاح، وطريقةً جديدة للشعور بالنقص حين لا يتحسن المرء بالسرعة المتوقعة. يُفتَقد الشعور بالمواجدة ويغيب اللطف وتُهَدّد الاستدامة ويختفي البعد العلاقي ويتبدد الاحتواء.ـ
‏إذن، السؤال الحقيقي ليس: لماذا يقاوم المتعالج الشفاء؟ بل: هل حصل على ما يكفي من الأمان ليواجه نفسه؟ هل كان محتوىً ومحمياً بما يكفي حتى لا ينكسر تحت وطأة حقيقة نفسية وصلته فجأة، وحيدة، دون دعم، قبل أوانها، مكشوفة؟

والله من وراء القصد

Back to Top