ربما يكون الافتراق أول نموذج للقلق في خبرة أي إنسان.ـ
وأول افتراق هو افتراق الوليد لحظة ولادته عن الرحم.ـ
هي خبرة لا يمكننا سوى أن نتخيلها:ـ
انتقال من الاكتفاء الكامل من كل شيء،ـ
من الأمان الشامل ومن الحماية من كل المؤثرات والمخاطر إلى الاعتمادية المطلقة والتعرضيّة لكل مؤثر أو خطر،ـ
من الاندماج الكامل مع الأم وكأن العالم هو عالم هذه الذات المندمجة إلى انشقاق عنيفٍ من ذات الأم وإلى دنيا أخرى لا ألفة للوليد بها،ـ
من الحب الافتراضي إلى الحنان الذي يتحقق بعد بكاءٍ وحرمان…ـ
لحظة يفترق فيها الجنين عن الانغمار في عناية لم يطلبها تلبي له كل احتياجاته لينتقل إلى الانغمار في عالم من الأضواء والأصوات والأشخاص والأحداث والاحتياجات ومكامن الضعف وغياب القدرة على التواصل.ـ
كم أظنها عظيمة لحظة الافتراق تلك، وليس لها برأيي إلا أن تكون القالب الذي يُشَكّل ما نعبر عنه بعد سنوات من النماء بكونه قلقاً…ـ