الصورة من إنتاج الذكاء الاصطناعي
القلق = Anxiety
التوتر = Tension
الضغط = Stress
الهمّ = Worry
هي كلمات تبدو أحياناً وكأنها مترادفة، وتعبر عن معانٍ يتقاطع بعضها مع بعض.ـ
أصلُ الاستعمال العلميّ لبعض هذه الألفاظ (الضغط والتوتر مثالين) في الفيزياء والميكانيكا: فالإجهاد
(stress)
هو الحِملُ المُطبَّق على مادةٍ ما، والتوتر/الشدّ
(tension)
أحدُ أنواعه في مقابل الانضغاط. أمّا التشوّهُ الناتج فيُسمّى الانفعال
(strain)
وهو اللفظ ذاته الذي سيهاجر إلى وصف الوجدان حين نبلغ القلق.ـ
ـ"وربما كان استخدام لفظ "الضغط" أكثرها إشكالاً، والمقصود به قد يكون الضغط النفسي وقد يكون الضغط من منظور حيوي، فالضغوط مسألة بيولوجية على كل المستويات من الخلية للعضو للجهاز للجسم كله وللعقل. لكن هذا الاستخدام المتعدد هو ذاته الاستخدام باللغة الإنݠليزية. وقد يتم الخلط بين الضغط والتوتر، والأخير تعبير خاص عن حالة كون الشيء مشدوداً من طرفيه، والمقصود بالشيء هنا العضلات، وتوتر العضلات هو ارتفاع لوتيرة الشد فيها والذي يرتبط غالباً (ولكن ليس دائماً) بالضغط النفسي. لذلك يكون التوتر أحد الطرق التي يُعبر بها الجسد عن وجود الضغط النفسي. وقد تُستخدم الكلمة مجازاً للتعبير عن أمور أخرى كدرجة الشحن في العلاقات (مثلاً: علاقة متوترة)، إلا أن ذلك يتم كذلك في اللغة الإنݠليزية."ـ
وأودّ هنا أن أُضيف التالي:ـ
فهم هذه الفروق الدقيقة قد لا يكون ذا أهمية بالغة لمعظم الناس، لكنه مهمٌ علمياً للمختص وللباحث لكون هذه الظواهر مختلفة في دلالاتها.ـ
فالهمّ ظاهرة ذاتية، المقصود بها الانشغال العقلي بأمر ما، أي أنها خبرة عقلية داخلية غير محسوسة موضوعياً. ووجودُ الهمّ مكوّنٌ من مكوّنات الوجه النفسيّ للضغط. فالضغط ظاهرة ذات وجه ذاتيّ (نفسي) وآخر بيولوجيّ قابل للملاحظة والقياس موضوعياً. وجود الضغط النفسي لا يؤدي بالضرورة للتوتر العضلي ولكنه يؤدي لدرجة منه في كثير من الأحيان. بل قد يحدث التوتر في الجسد دون أن يدرك الشخص وجود الضغط النفسي. والتوتر العضلي ظاهرة بيولوجية في الأساس، لكن يُمكن لها أن تكون مُدرَكة حِسّياً وبالتالي تُوجِد جانباً ذاتياً، لذلك تُسْتخدم كلمة التوتر للتعبير عن شكل من أشكال الضغط النفسي. ومن ثَمّ يلزم الباحثَ أن لا يخلط هذه المفاهيم في مناهج البحث حيث أن كل منها يُدْرَس بطرق مختلفة؛ إذ يُقاس كلٌّ منها بأداةٍ تخصّه وبتعريفٍ إجرائيٍّ مختلف، وخلطُها يمازج مصادرَ تباينٍ متمايزة فيُضعِف صدق المفهوم، وقد يُحدِث ارتباطاتٍ زائفة أو يطمس ارتباطاتٍ حقيقية.ـ
وفيما يتعلق بالقلق، فاستخدام الكلمة في المجال العلمي مرتبط بدرجة من التأثير الوجداني و/أو الوظيفي، فهو انفعال استباقيّ لتهديد مُتَوَقّع. ويتجلّى هذا الانفعال في ظواهر ذاتية وجدانية كما قد يظهر في آثار جسدية فيسيولوجية. قد يكون الانفعال ناتجاً عن تهديدٍ واقعيٍّ ويكون تكيّفاً مناسباً، وقد ينتج عن تهديدٍ مُتَخَيّلٍ أو مُبالغٍ فيه و/أو يكون الانفعال مؤثراً تأثيراً سيئاً أو غير مناسب للتهديد الذي أنتجه. قد تكون الخبرات الذاتية المرتبطة بالهموم والضغوط والتوتر من مكونات القلق. وقد يؤدي القلق لتأثير سلبي على الأداء الوظيفي، وإن وصلت درجة الإعاقة الوظيفية لحدود معينة وحققت معايير محددة، فإن الأدلة التشخيصية تقترح أحد تشخيصات اضطرابات القلق أو أكثر.ـ
أُسْأَل كثيراً عن "اهتمامي" بدقة ترجمة وتعريب المصطلحات، وبخاصة النفسية والتحليلية منها. هو "همٌّ" لي في الحقيقة، ولعل أحد أسباب ذلك الانتشار المتزايد والمتنامي لما يُطلَق عليه اسم "علم النفس الشعبي"ـ
(popular psychology).
حين يصل مصطلحٌ ما إلى عموم غير المختصين، ويسهُل أن تُفهَم الكلمةُ على نحوٍ مغايرٍ لتعريفها العلميّ (ولا أقصد بالضرورة المصطلحات التي ذكرتها في بداية المقال)، يكاد استعمالُها الدارجُ المنحرفُ أن يكون مضموناً في المصطلحات النفسية أكثر من غيرها من المصطلحات العلمية.ـ
على سبيل المثال، لن تجد استخداماً دارجاً لعبارة "الرمادية المحيطة بالمسال" ـ
(Periaqueductal Grey)
وهو ترجمة لمصطلح تشريحي لمنطقة محددة في الدماغ. وإن عُرِّبَت الكلمة بإدراجها كما هي في اللغة المصدر (أي بحَوْرَفتها أو نقحرتها)، "فوتون"ـ
(photon)
مثلاً، فقد يصعب أو يستحيل أن يشيع استعمالها لغير معناها العلمي، خاصة إن لم يكن لها ارتباط بالظواهر النفسية. لا أدعي أن المصطلحات غير النفسية غير معرضة للانحراف الدلاليّ، بل هي كذلك وتكثر الأمثلة على ذلك، لكني أرى أن للظواهر النفسية جاذبية خاصة تجعل مصطلحاتها محط أنظار واهتمام الناس. ليس في ذلك ضررٌ بالضرورة، ولكن انتشار استخدام المصطلح في غير محله لا يؤثر على غير المختص وحسب، بل وعلى المختص كذلك!ـ
نرى تشوش المفاهيم وتَوَسّعها لتشمل ما ليس منها يحدث في مجالنا بشكل عجيبٍ ومتنامٍ. ليست دقة المصطلحات السبب في ذلك ولكني أرى أنها من العوامل المساهمة في هذه الظاهرة. لا يحدث ذلك لدى المتحدثين بالعربية فقط، بل نجد أن تقاطع معاني الألفاظ المستخدمة كمصطلحات مع المعاني الشائعة لها عاملٌ مساهمٌ في كل اللغات.ـ
هذا التشوش والتوسع له دور في كثير من اللغط المحيط بالمهن المتعلقة بالصحة النفسية. بل أرى أنه قد يُسهِم في التوسع المطرد في تعريفات الاضطرابات النفسية وفي انتشار أشباه العلم التي تدعي تنمية الذات مثلاً.ـ
فلننظر لانتشار استخدام كلمات مثل النرجسية والصدمة والتوحد، حيث تتوسع المعاني لتشمل ما ليس من دلالاتها السريرية. ولننظر لفقدان التحديد في المعنى عند استخدام عبارة "المرونة النفسية" لترجمة
Resilience
في حين يوجد مصطلح المرونة الذهنية
(Cognitive flexibility)
والذي لا علاقة له بالمعاودية، وهي الترجمة الأدق عندي لكلمة
(Resilience).
للمصطلحات النفسية قابلية عالية لأن يُساء استخدامها. بل قد يتم توسيع استخدام الألفاظ الدالة على الاعتلال أو التشخيص النفسي لغرض الوَصْم أو الاستنقاص والإهانة. ونشهد على استخدام ألفاظ "نرجسي"، "منَفِّس"، "متخلف"، "مُوَسْوِس" وغيرها بشكل لا علاقة له بالمعاني العلمية السريرية.ـ
ما أرجو أن يكون جليّاً هو أن الفروق التي تسمّيها هذه الألفاظ هي فروقٌ حقيقية في طبيعة الظواهر التي تدل عليها، سواءً كانت مسمياتها دقيقةً أم لم تكن؛ غير أنّ اهتراء المصطلح يُضعِف قدرتنا المشتركة على رؤيتها وتقاسمها والتفكير فيها، بل قد يمنعنا من دراستها وتمحيصها علمياً. وحين يغيب المصطلح الدقيق يصعب علينا تداولُ المعنى الدقيق، فيضيع المعنى في حديثنا عن الواقع وإن بقي الواقعُ على حاله، وذلك وحده ضررٌ كافٍ.ـ
الاهتمام بدقة المصطلحات لن يحل هذه المشاكل والتي يرجع منشؤها لجذور نفسية واجتماعية وثقافية معقدة ومتشابكة، ولا تعدو الدقة اللغوية سوى إحدى هذه العوامل، ولكني أرجو أن يساهم الاهتمام بها جزئياً في إبطاء تنامي ظاهرة الانحراف الدلالي وانتشار ضررها.ـ
والله من وراء القصد
13/06/2026 @yasseraddabbagh ياسر الدباغ