تصلني تساؤلات عن الفرق بين مصطلحات #التحليل_النفسي و #العلاج_التحليلي وتحليل الشخصية و #العلاج_الديناميكي. يسود هذه الأسئلة ما يبدو أنه خيال بعيد عن الواقع عن طبيعة هذه المسميات وأفكار شائعة غير صحيحة مبنية على ما يتم تداوله في وسائل الإعلام والكتب.ـ

سأحاول في هذه العجالة أن أوضح معنى هذه العبارات من وجهة النظر العلمية والمهنية لإزالة اللبس وبعض الاعتقادات السائدة والبعيدة عن الحقيقة.ـ

أولاً: النظرية التحليلية
(Psychoanalytic Theory)
والتحليل النفسي
(Psychoanalysis)
التحليل النفسي والنظرية التحليلية ظهرا لأول مرة في نهاية القرن التاسع عشر وكان التحليل أول نوع مقنن من العلاج بالكلام مستنداً على أساس نظري قوي. أي أن التحليل النفسي رائد حركة العلاج النفسي، وبسببه أو كردة فعل لوجوده ظهرت كل الأنواع الأخرى من العلاج النفسي. للتحليل النفسي نظريات عميقة تقوم بتفسير الكيفية التي تتكون بها معاني التجارب الإنسانية وكيفية حصول تلك المعاني على القدرة لإحداث دوافع مؤثرة على سلوك صاحبها وكيفية تفاعل هذه المعاني والدوافع مع بعضها البعض ومع الدوافع الغريزية والبيولوجية والاجتماعية والكيفية التي يتم بها ذلك كله في إطار العلاقات والروابط البشرية مع الآخرين والأنماط السلوكية والوجدانية الفردية التي تتكون في تلك الروابط الاجتماعية وكيفية تكون القيم والمعايير التي يقيس الإنسان سلوكه بها والتطلعات الواقعية منها والخيالية التى يحلم بتحقيقها وتأثير مخرجات كل ذلك على تكوين واستنباط المعاني من التجارب الإنسانية اللاحقة. هذا إضافة إلى عدة جوانب أخرى متعلقة بتكوين العقل البشري وأنماط عملياته يطول شرحها.
تصف نظريات التحليل النفسي درجات الوعي بأي مما ذكرته في الفقرة السابقة، حيث أن أحد أساسات النظرية هو أن الكثير من العمليات العقلية ومن الأنماط السلوكية ومن مكونات الروابط الاجتماعية يتم دون أي إدراك بها والبعض يتم بإدراك سطحي أو جزئي والقليل هو ما يصل إلى إدراك الإنسان بشكل شبه متكامل. وما لا يصل لإدراك الإنسان لن يصل بمجرد لفت النظر إليه ولا يمكن معرفته بمحاولة شخصية أو فردية. ولا توجد طريقة لقراءة محتويات عقل شخص آخر. هذا هو ما نسميه ب #اللاموعي
Unconscious
(مصطلحات أخرى قريبة لا أفضلها هي : اللاشعور، اللاوعي، العقل الباطن). لا توجد نظرية أخرى، سواء في علم النفس أو في الفلسفة، قادرة على فهم تكوين المعاني والدوافع ومكونات الذات البشرية بشكل ينطبق على الفرد الذي يُتمّ التحليل، وذلك لأن التجربة الإنسانية ذات تفرد منقطع النظير ولا تطابق حقيقي (عند النظر إلى جذور النفس البشرية) بين تجارب أي شخصين.ـ
لكن ما يحدث هو أن خبيراً في النظريات التحليلية ممن سبق أن أتم تحليلاً نفسياً لذاته (عن طريق محلل آخر) وممن يمتلك المهارات العلاجية اللازمة، يمكنه بعد تكوين علاقة علاجية عميقة مع شخص ما أن يكتشف مع هذا الشخص أنماطه اللاموعية في السلوك الاجتماعي والتفكير والانفعالات الوجدانية وأن يستنبط الأماني الخيالية اللاموعية وذلك عن طريق دراسة متأنية لشهور أوسنين لما يحدث بين المحلل ومن يخضع للتحليل في علاقتهما العلاجية.ـ
وتكوين هذه العلاقة يتم خلال الجلسات العلاجية من 3 إلى 5 مرات في الأسبوع لفترات طويلة لا تقل عادة عن سنة وقد تزيد عن عشر سنوات، وإن كان المتوسط حاليا أن يستمر التحليل لما بين ثلاث إلى ست سنوات. يمر في هذه الفترة من يتم تحليله بتجارب شخصية وبينية (بينه وبين المحلل) لا يمكن حدوثها في أي علاقة أخرى، ولكنها في ذات الوقت تتركز فيها رموز كل العلاقات الأخرى التي مر بها ذلك الشخص في حياته. وبهذا يكون لتلك العلاقة العلاجية تأثير على طبيعة علاقات الشخص خارج نطاق العلاج. وتعتمد هذه التطورات على درجة الاستبصار (القدرة على توجيه الانتباه للداخل وإلى مكونات الذات حتى عندما يكون ذلك صعباً أو مؤلماً أو مرفوضاً) التي يمتلكها الشخص وعلى القدرة على تكوين روابط آمنة مع الآخرين. لذا تزداد مشقة العلاج ومدته حسب درجة النقص في هذه الخصال والتي تعتمد عليها الكثير من صفات الشخصية والأنماط النفسية والاجتماعية.ـ
جلسات التحليل تتراوح عادة بين 45 إلى 55 دقيقة، وعلى الأغلب يستلقي فيها الشخص على أريكة ويجلس المحلل خلفها بعيداً عن نطاق بصر الشخص. في بعض الحالات يكون التحليل فيها وجهاً لوجه (جلوساً أمام المحلل) ابتداءً ثم ينتقل إلى الأريكة، وفي بعضها يستمر في وضع المواجهة. طبيعة العلاج يصعب جداً شرحها لأنها تجربة متفردة لا شبيه لها في التجارب البشرية. ولكن يغلب عليها أن يُطالٓب الشخص بأن يعبّر بالكلام عن كل ما يصل إلى الإدراك مع محاولة تعطيل الرقيب الداخلي والذي يتحكم فيما يحتويه التواصل البشري عادة (ما يسمى بالتداعي الحر). وفي هذه الأثناء ينصت المحلل ويلاحظ بتأني كل ما يدور في العلاقة العلاجية. مع اختلافات بين مدارس التحليل وميول المحللين، قد تختلف درجة التواصل المتبادلة لأن المحلل قد يغلب على طبعه الانتظار للحظة المناسبة ليقول شيئاً أو يحاول تقديم تفسير أو ملاحظة أو مداخلة تحليلية استنباطية. إذاً لا شبه بين ما يجري في التحليل وما يحدث في التواصل البشري بين الأفراد.ـ
ينتج من هذا كله تغيير بطيء متنامي في المكونات الأساسية التي بنيت عليها شخصية الشخص وذاته وأنماطه النفسية اللاموعية. التغيير تدريجي وجزئي، ولكنه عادة ما يكون جذرياً ومستديماً.ـ

إذاً يتضح مما تم شرحه بعاليه أنه لا يمكن التحليل بمجرد الالتقاء بالإنسان أو مشاهدته عن بعد أو الاستماع لما قيل عنه أو القراءة عن ذلك الشخص، ولا يمكن الادعاء بالقيام بتحليل نفسي حتى بعد جلسة علاجية أو أكثر. ولا يوجد ما يمكن تسميته بتحليل الشخصية، وإن وُجدت بعض الأدوات النفسية والاختبارات التي تصف سمات الشخصية بشكل سطحي ولا تسبر أغوارها. فالتحليل النفسي مشروع ضخم يتطلب دافعاً داخلياً قوياً وقدرة على تخصيص الوقت اللازم، والإمكانيات المادية التي تسمح بالقيام بمثل هذا العلاج وشجاعة عالية لمواجهة داخل الذات والذي ظل غائباً عن إدراك الإنسان طوال عمره والتصميم الكافي لإحداث تغيير جذري في الذات. يشابه هذا المشروع في أهميته وما يتطلبه من الإنسان قرار دخول الجامعة لدراسة الطب أو الانتقال إلى بلد آخر وتعلم لغته من الصفر أو اكتساب مهارة عمل جديدة معقدة بعد أن استقر الإنسان في عمل آخر لعقود من الزمن.ـ

ثانياً: المحلل النفسي
(Psychoanalyst):
مزاولة التحليل النفسي تتطلب تدريباً طويلاً وسنوات عديدة... هنالك نوعان من التدريب: أحدهما تحت مظلة الجمعية الدولية للتحليل النفسي، وهي تشرف على الجمعيات المحلية للتحليل وعلى معاهد التحليل النفسي (حيث يتم التدريب) التابعة لتلك الجمعيات. لذا فكل هذه المعاهد تتبع مقرراً مبنياً على أسس مشتركة وتشترط نفس الشروط من المرشحين للتدريب.ـ
أما النوع الآخر فهو من معاهد وجمعيات لا تتبع للجمعية الدولية ومع تقارب الشروط المطلوبة من المرشحين إلا أن هناك تباين أكبر بين تلك المعاهد فيما تحتويه مقرراتها وطرق استكمال شروط التدريب.ـ
ولعلي أشرح ما يتعلق بالجمعية الدولية لمعرفتي الوثيقة بها. المرشح للتدريب يشترط فيه أن يكون طبيباً (عادة طبيب أتم التخصص في الطب النفسي أو يكاد) أوحاصلاً على درجة الدكتوراة أو ما يعادلها في علم النفس العيادي (الكلينيكي). تقبل بعض المعاهد الحاصلين على الدكتوراة في الخدمة الاجتماعية أو التمريض أو الفلسفة أو التعليم. أي أن التدريب على التحليل يبدأ بعد الحصول على أعلى الدرجات العلمية في مجال متعلق. يعتمد التدريب على ثلاثة مكونات أساسية: (1) قيام المرشح بإتمام تحليل شخصي مع محلل نفسي مُدَرِّب (أي أنه محلل استكمل شروط السماح له بتحليل المرشحين وتدريبهم، وهو ما يتطلب خبرة لا تقل عادة عن عشر سنوات). ويستمر هذا التحليل لفترة يندر أن تقل عن خمس سنوات على أن يبدأ قبل بداية مكونات التدريب الأخرى بسنة على الأقل. (2) حضور محاضرات نظرية تستمر لمدة أربع سنوات. (3) القيام بتحليل نفسي لعدة أشخاص تحت إشراف ومتابعة دقيقة ومباشرة من محللين من درجة المحلل مُدَرِّب. لذا فإن التدريب على التحليل النفسي عملية شاقة وطويلة وتحتاج إلى درجات عالية جداً من الإنجازات الأكاديمية وتكوين مهارات علاجية معقدة وبطيئة التكوين تحت إشراف محللين مخضرمين.ـ

ثالثاً: العلاج النفسي التحليلي
(Psychoanalytic Psychotherapy)
وأنواع العلاج الديناميكي
(Psychotherapies Psychotherapies):
العلاج النفسي التحليلي وبعض أنواع العلاج الديناميكي هي من صنف العلاج النفسي طويل الأمد، وتعتمد في أساليبها وخلفياتها النظرية على ما تم إنجازه في تطور النظريات التحليلية. يختلف ما يسمى بالعلاج النفسي التحليلي عن التحليل النفسي الموصوف بعاليه في خمسة أمور:ـ
(1)
عدد الجلسات: لا تزيد عادة عن جلستان في الأسبوع وقد تكون جلسة أسبوعية أو كل أسبوعين.ـ
(2)
مدة العلاج: عادة يكون العلاج التحليلي أقصر مدة من التحليل، ولكن لا يوجد حد أعلى لمدته كما هو الحال في التحليل النفسي.ـ
(3)
عمق العلاج: لا يتم عادة القيام بتحليل عميق كما يتم في التحليل النفسي.ـ
(4)
المعالج: لا يشترط في المعالج أن يكون محللاً نفسياً. ولكن يشترط أن يكون قد أتم أو يكاد تحليلاً شخصياً وقام بالعلاج التحليلي تحت إشراف محللين نفسيين. لا يشترط أن يكون محلله الشخصي أو المشرفين على حالاته محللين مُدَرِّبين. عادة ما يكون المعالج طبيباً نفسياً أو حاصلاً على الدكتوراة في علم النفس أو الخدمة الاجتماعية وحصل بالإضافة إلى ذلك على تدريب مكثف لمدة لا تقل عادة عن سنتين. من السهل والممكن لمحلل نفسي أن يقوم بعلاج نفسي تحليلي، ولكن لا يمكن لمعالج نفسي أن يقوم بتحليل نفسي دون استكمال متطلبات التدريب في التحليل.ـ
(5)
 أهداف العلاج: تكون للعلاج التحليلي أهداف واضحة في بداية العلاج تستمد من وجود أعراض واضطرابات نفسية واضحة، وإن كانت قابلة للتعديل والتغيير أثناء الرحلة العلاجية. في المقابل، لا يشترط وجود أي وضوح في الأهداف قبل بداية التحليل النفسي، وإن كان ذلك متحققاً فلا مانع. وقد يكون التحليل بحد ذاته هدفاً، كما هو الحال أثناء التدريب للتحليل.ـ
يتم العلاج التحليلي على الأريكة عادة كما هو الحال في التحليل، وإن كانت الوضعية المواجهة أكثر احتمالاً في العلاج التحليلي من التحليل.ـ

كما أن العلاج التحليلي يعتبر درجة أقل من التحليل، فإن العلاج الديناميكي طويل الأمد درجة أقل عمقاً من العلاج التحليلي، ويتم عادة في وضعية المواجهة، ويتطلب درجة أقل من الخبرة من المعالج. فهذا النوع من العلاج مطلوب كجزء من المهارات التي يجب أن يكتسبها الطبيب المُقيم في تخصص الطب النفسي، وقد يكون من المهارات التي يكتسبها بعض المرشحين للدكتوراة في علم النفس العيادي أو في الخدمة الاجتماعية. العمق النظري أقل، ولا يشترط أن يكون المعالج قد حصل على تحليل شخصي، وإن كان من المفضل أن يكون قد قام بعلاج شخصي تحليلي أو ديناميكي، إلا أن بعض جهات التدريب لا تشترط ذلك.ـ
من الأنواع الأخرى من العلاج الديناميكي عدة أنواع قصيرة الأمد (عدة شهور فقط) وهي أنواع متعددة وتختلف في أساليبها ومخرجاتها باختلاف تركيزها على جوانب النظريات التحليلية المختلفة من الناحية النظرية.ـ

أرجو أن يكون هذا الوصف شديد الإيجاز واضحاً ومفيداً دون أن يخلّ الإيجاز بالمعنى المرجو إيصاله للقارئ.ـ

Back to Top