يكثر تداول مقطع الڤيديو هذا مؤخراً. ومع أن ما طُرح فيه يستند إلى براهين علمية جيدة، إلا أن بعضه مبالغ فيه قليلاً.ـ
صحيح أننا نولد بالمادة الوراثية التي تشكل 'الحدود الكامنة' لما نظهره لاحقاً على شكل سمات نفسية. وصحيح أيضاً أننا لا نستطيع 'تصميم' الأطفال، بمعنى إضافة أو استبدال إمكانات وراثية لسمات لم يكن لديهم القابلية لتطويرها أصلاً.ـ
لكن المبالغة تكمن في الافتراض بأن كل الإمكانات الوراثية لا بد وأن تظهر كسمات، وهذا ليس صحيحاً بالضرورة. فـ 'إذا' ظهرت هذه السمات، فهي تظهر بسبب وجود بيئة ضرورية لظهورها ثم تستمر في التفاعل بشكل كبير مع البيئة. ومن الممكن ألا تظهر بعض السمات إطلاقاً في بيئات معينة. يشير التعليق (في التغريدة التي وجدت فيها مقطع الڤيديو) إلى أن تأثير الوالدين ينتهي عند سن 21، لكن العقود نفسها من الأبحاث أثبتت استمرار 'اللُّدونة العصبية'ـ
(Neuroplasticity)
مدى الحياة (وإن كانت تتناقص مع العمر)، والتي نتغير من خلالها باستمرار بفعل خبراتنا—بما في ذلك العلاج النفسي الذي أثبت إحداث تغييرات ذات مغزى في سمات الشخصية—وذلك أيضاً يحدث ضمن حدود الإمكانات الوراثية.ـ
يعجبني مفهوم الراعي مقارنة بـ المهندس (وهو التشبيه الذي طرحه د. باركلي في مقطعه). فمن خلال أفعال الراعي، يمكنه أن يقود قطيعه ليكون صحيحاً أو عليلاً. آمناً أو في خطر. مزدهراً أو متعثراً. هذه ليست اختلافات هامشية في المُخرَجات، لكنها جميعاً تقع ضمن الإمكانات الوراثية المتاحة بيولوجياً للقطيع.ـ
لذا، من جهة، لا أختلف مع القول بأن الآباء قد يحملون أنفسهم عبئاً كبيراً جداً من المسؤولية عن سمات أطفالهم. ولكن من جهة أخرى، لا يمكننا تجاهل أن لبيئة التنشئة عواقب عميقة.ـ
كل هذا يتحدث فقط عما يمكن قياسه موضوعياً من خلال البحث القائم على الملاحظة الخارجية. لكن هناك أيضاً الواقع الذاتي للأفراد. بالنسبة للفرد، قصة حياته هي سردية تولد المعاني، وكثير منها عبارة عن تصور لمفهوم 'السبب والنتيجة' لما يحدث في حياتهم. نحن نشعر ونفهم كيف يرتبط حاضرنا بماضينا. نحن نختبر طفولتنا، وخاصة خبراتنا العلاقية المحورية، باعتبارها اللبنات الأساسية لـ 'من نكون' كبالغين. وهذا أمر مهم على مستوى الفرد وبمعنى تجريبي ومباشر أكثر، في حين أن الإمكانات الوراثية هي في الأساس مفاهيم مجردة.ـ
لذا دعونا نوسع فهمنا لمثال الراعي، ونتخلى عن مثال المهندس، ونقبل أن 'من نكون' هو دائماً نتيجة لعملية مستمرة من التفاعل بين بيئتنا (بما في ذلك بيئتنا العلاقية) والحدود المقررة وراثياً لما تسمح به بيولوجيتنا.ـ