ما هي أنواع أو درجات الصمت؟ وما هما قطباه؟
تأملات في ظاهرة الصمت في جلسات التحليل النفسي جمعتها في "مقال" أرجو به "تسليط الضوء" على ظاهرة "صوتية" وسمعية، لكن لها أبعاد نفسية عديدة يقِلّ "الحديث" عنها.
إليكم أحد أنواع الصمت: في التحليل النفسي، يغلب أن يستمع المحلِّل بصمت لتداعي خواطر المريض الخاضع للتحليل.  يتمحور "محتوى" الجلسات التحليلية حول تداعي خواطر المريض. صمت المحلل عندما تسترسل خواطر المريض ليس عزوفاً عن الكلام. بل هو جهد عميق مبذول في خبايا عقل المحلل، حيث يوجه طاقة عالية تجاه استشعار ما يشعر به المريض والمُواجدة معه من جهة، ومن جهة ثانية يوجه جزءاً من انتباهه لمسار الجلسة ومسار العلاج بشكلٍ عام وكأنما يراقب ما يحدث في الجلسة من بعدٍ كطرفٍ ثالث، ومن جهةٍ ثالثة يوجه انتباهه لما يحدث بداخله من مشاعر وخواطر متداعية وللتغييرات اللحظية التي تحدثها تلك المشاعر والخواطر على العلاقة العلاجية ويحاول تفسيرها من منظور التحويل (الإنقال) المقابل (وهي المشاعر التي يُحدثها المريض لدى المحلل بشكل لا مَوْعِيّ)، ومن جهة رابعة يحاول تحليل محتوى كلام المريض لاستنباط الأنماط اللاموعيّة التي يلجأ لها وربط ذلك كله بالقصة المعقدة والمتعددة السيناريوهات التي هي حياة المريض... ليس ذلك الصمتُ سكوتاً وحسب، بل شغلٌ وجهدٌ وتحليلٌ واستبصارٌ وبناءٌ وهدمٌ وشعورٌ وفكر... هو "صمتٌ تحليليّ"... هو صمت "يسمعه" المريض بوضوح وجلاءٍ أحياناً، أو كهمسٍ لا يكاد يلحظه أحياناً، أو لا يدرك أنه كان يستمع له بشكل لامَوْعِيّ إلا بعد حين. لكن هذا الصمت أحادي المصدر لكون المريض متكلماً...
فما الذي يحدث عندما تتوقف الخاضعة للتحليل، ولو للحظات، عن الكلام؟ في الكثير من مثل هذه المواقف، يقوم صمت المريضة بإرسال دعوة عاجلة للمحلل لأن تكون له مداخلة، وكلما مرت ثانية صمت، كلما ازداد عدد دعوات ثواني الصمت السابقة لها والتي لم يُستجاب لها. في بعض تلك المواقف قد يتزايد التوتر لحظياً في العلاقة العلاجية، وقد تتوق المريضة لمداخلة لن تأتي، وقد يشعر المحلل بضغط لأن يقول شيئاً، أي شيء! فماذا لو استمر الصمت؟ 
في أحايين أخرى، أو مع مرضى آخرين، تكون المريضة ميالةً لأن تظل ّصامتةً. صمت المريضة هنا تردد أو إحجام عن النطق بخواطرها المتداعية... هو قرار بعزل المحلل عن جزء من عالمها الذاتي، يضع المحلل في موقف الانتظار الدائم المشحون أحياناً بفضوله، أو بالحيرة أو بأي من مشاعر عدة يمكن للمحلل المرور بها فضلاً عن مواجدته لمشاعر مريضته... لكنه يظل صامتاً في حالة انتظاره، صامداً أمام أمواج الأحداث والمشاعر والخواطر المتلاطمة دون إحداث صوت...
ليس الصمت هنا مجرد غيابٍ ل "فعل" الكلام أو إحجاماً عن المداخلة انتطاراً للخواطر التالية. بل هو، إضافة لذلك، "فعلٌ" من نوعٍ آخر، مداخلة لم يُستخدم فيها الكلام كأداة لها. ليس الصمت أمراً سلبياً هنا، بل هو إجراءٌ ذو أثر على من يحدث الصمت بينهما! 
لماذا يهمنا تأمل ذلك؟ تتمحور العملية العلاجية في التحليل النفسي حول العلاقة العلاجية وما يحدث فيها. لذلك فإن المعاني الناتجة عن خبرة الصمت في تلك اللحظات، مثلها مثل أي خبرة أخرى في التحليل، منشأها ومآلها طبيعة العلاقة العلاجية وما يناسب تلك اللحظة أو يصادفها من التحويل (أو الإنقال، وهو ظاهرة لاموعية يتم بها إعادة توجيه المشاعر وأنماط التعامل من علاقات سابقة للعلاقة الحالية، كأن يعامل المريضُ المحلل وكأنه أباه) والتحويل المقابل (الإنقال المقابل)، وتؤثر تلك المعاني في تلك العلاقة. وبالتالي فإن ما قد يبدو أنه فراغ في المجال الصوتي للجلسة قد تكون كل ثانية منه في الحقيقة ملئى بمعاني هي من أحجار البناء في المبنى الذي يشترك في بنائه المحلل والمريض: العلاقة العلاجية.
فهاهو صمتٌ ليس بصمت. وهاهي مداخلةٌ ليست بمداخلة. وها هو حديث ذو شجون لم تُسمع فيه كلمة. فذلك هو "الصمت الفاعل"، وهو عندي أحد قطبي الصمت!
يمتاز هذا الصمت بكون المحلل على دراية بما يحويه أو لديه القابلية لاستقبال المعاني التي كانت ثوانيه ودقائقه حُبلى به. ولكن قد يصمت المحلل بعد استنتاجه لتلك المعاني، لا لشيءٍ سوى أنه يرى أن اللحظة المناسبة لتفسير الصمت لم تحن بعد. عوامل عديدة تحدد ما إذا آن أوان تفسيرٍ ما في التحليل النفسي، منها مرحلة تطور العلاقة العلاجية ودرجة استعداد المريض للاستبصار ومدى تدرج التفسيرات السابقة المتعلقة بنفس المعنى، لكننا هنا نصف صمتاً مركباً من صنفين، أحدهما ما وصفته أعلاه، وهو الصمت الفاعل، وثانيهما صمت انتظار المحلل للّحظة المناسبة للتداخل. إلا أنه صمتٌ كامن، بينما يكون الصمت الفاعل ظاهراً جهوراً.
فمداخلة سابقة لأوانها قد تُؤذي بدلاً من أن تفيد، أو تنحى بالعملية العلاجية بعيداً عن هدف المداخلة... لذا فهو "صمت تخطيطي".
ويوجد في مقابل الصمت الفاعل صمتاً مفعولاً... إنه صمتٌ يُجْبَرُ عليه أحد الطرفين بسبب ما يفعله الآخر. صمت المحلل عندما يسترسل المريض في حديث متسارع تزدحم فيه المعاني أو المشاعر أوترتفع خلاله نبرات صوت المريض وتتنافس فيه الكلمات على ملء فراغ العيادة طاردة كل ما يزاحمها حتى الهواء... لا يكاد المحلل يستطيع تأمل جُملة قبل أن تطارد تأملاته جُمل ومعاني ومشاعر تُغرقه في بحورها... يصمت المحلل هنا رُغماً عنه لعدم وجود مساحة لشيءٍ سوى لصمته، وقد يجتهد لكي يُحوّل صمته المفعول لصمتٍ تحليليّ، فإن نجح قد يكون أول ما يحلله هو دوافع المريض لإغراق المحلل في بحر من بحور ذاته مجبراً إياه على صمت مفعول... أَعُدّ هذا الصمت المفعول القطب الآخر للصمت في التحليل...
وصفت هنا أربع أنواع من الصمت: نوعان يغلب عليهما أن يكونا خَفِيَّيْن ويخصّان المحلل دون المريض، التحليليّ والتخطيطيّ، وما هما سوى تقنيات ومهارات يستخدمها المحلل... ونوعان يمكن أن يكونا جزءاً من خبرات أيّ الطرفين في العلاقة العلاجية، الفاعل والمفعول، وهما ما أسميتهما بقطبي الصمت. والقطبين من أغرب وأصعب الخبرات التي نمرّ بها أحياناً في التحليل النفسي. لكل نوع من أنواع الصمت معاني مختلفة، ويكاد كل منها أن يصرخ بتلك المعاني... فيا عجبي لصمت يُسمع آذاناً أصابها الصمم!


Back to Top