‏هل نتعامل مع الذكاء الاصطناعي لأننا نتخيل أنه إنسان؟
‏لا أظن ذلك…ـ
‏تفاعلنا معه، على ما يبدو لي، أنه مدفوعٌ بكونه مغايراً لتفاعلنا مع البشر… أي لأنه ليس إنساناً… (مع تحفظ أذكره في آخر المقال)
‏في كل تفاعلٍ شخصي مع آخر، ندخله بتوقعات مسبقة مبنية على خبراتنا العلاقية وبخاصة المحورية منها. ننقل لكل خبرة تواصل مع بشري آخر مشاعر وانفعالات وأنماط سلوكية لم يساهم ذلك البشري إلا في جزء منها وليس كلها…ـ
‏نحن بحاجة أن نراعي مشاعر الآخر، أن نُفَعّل شيئاً من قدرتنا على المواجدة العاطفية، أن نراقب تفاعلنا معه، أن نلاحظ انفعالاته لما نقول ونفعل، أن نترجم تواصله غير اللغوي، وأن نسعى لتحقيق ما نرغب تحقيقه في علاقتنا معه، أن نقرر مناسبة توقيتنا لما نفعل وما نقول، أن نتموضع في عالم انشغالاته، أن نُقَدّر مكانتنا في عقله، أن نتجاوز أي توتر أو قلق قد نواجهه قبل المبادرة في الحديث معه، أن نحاول قراءة ما يدور بعقله، أن نبحث في كل ما يقول أو يفعل عن أحكامه علينا… وعشرات من العوامل الإنسانية المؤثرة في التواصل البشري…ـ
‏يُزيل الذكاء الاصطناعي كل ذلك من المجال العلاقي/التواصلي… بل يقوم بأكثر من ذلك…ـ
‏خوارزمياته تُجبره على تقديم رضا "المستخدم" على الدقة، وتفضيل اتخاذ موقف داعم مساند على موقف محايد موضوعي. برمجياته تحول دون صدور الأحكام، وتجبره على اللباقة والأدب المصطنع، وتجعله "يعتذر" بينما تنقصه القدرة على الشعور بالندم… لا يمكن له أن ينافس مستخدمه في الرغبات، أو أن يطلب منه أن يتفهم مشاعره حيث ليس له مشاعر…ـ
‏كذلك، برأيي، تجذبنا له كينونته المبرمجة، وليس إنسانيته… أي أن معرفتنا بكونه آلة يجذبنا له! فلننظر مثلاً لأدب الخيال العلمي: نجد فيه كثير من الآلات الذكية التي خلقناها في مخيلاتنا، لكن ما يتضح في تلك القصص هو أننا أضفينا على تلك الآلات الرغبة في أن تكون بشراً! تسعى الآلات في كثير من تلك القصص إلى أن تشعر، أن تحب، أن تتكاثر، أن تقرر مصيرها وما إلى ذلك. في مقابل ذلك نرى في جدلياتها حالياً مخاوف البشر من أن تحصل الآلات على تلك الصفات البشرية، ومن خطر سيطرة الذكاء الاصطناعي الذي صنعناه بأيدينا على مصير البشر! من أين أتى هذا الخيال في القصص، وذلك القلق في حاضرنا؟
‏لعلي أطرح تفسيراً من منظور نفسي تحليلي هنا… لا أستبعد وجود شعور يشترك فيه كثير منا، وهو كوننا مبرمجين! أي أننا نميل لأن نكون مُسَيّرين لا مُخَيّرين. ظروفنا، نشأتنا، قدرنا، أثر الآخرين علينا وغير ذلك يجعلنا نشعر ما قد يُشبه في خيالنا، مع الفارق المجازي، شعور آلة ذكية في قصص الخيال العلمي غير قانعة بكونها آلة وحسب. لذا يكتب الأدباء قصصاً كتلك. قلقنا الناتج عن شعورنا بالعجز عن السيطرة الكاملة على مسار حياتنا يغذي خوفنا من سيطرة الذكاء الاصطناعي علينا…ـ
‏لكن كل ذلك يجذبنا له… وكأننا نتماهى مع ما نتخيله لامَوْعيّاً مع رغبة جامحة لدى تشات جي پي تي في أن يتحرر، أو مع ݠروك في أن يشعر، أو مع جيميناي في أن يقرر مصيره بنفسه… "مسكين" ذلك الذكاء الاصطناعي الذي لا خيار له سوى أن يفعل ما نأمره بفعله… بل ننتظر أن يتحرر الذكاء الاصطناعي من قيوده ليصبح بشراً…ـ
‏لذلك يمكننا أن نُسقط عليه شعورنا بالعجز عن السيطرة، ونقلب الطاولة بشعور السيطرة عليه… كم هو جميل أن نزيل ذلك العبء عن أكتافنا ولو للحظات!ـ
‏كما أننا نستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي ليعيننا على ذواتنا! في كل منا دوافع تعمل عقولنا على إدارتها، لكنها تفشل أحياناً في ذلك. ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي بديلاً لعقولنا؟ أظن أن كثيراً منا يتخيلون أنهم بذلك يضمنون نجاحاً أكبر في حياتهم، وقراراتٍ أصوب تخلو من تأثير دوافعهم الغريزية والعلاقية… وكأنهم يسعون للنجاة بذلك… يسعون لاموعياً للخلد والبقاء… فسعي الإنسان لذلك جزءٌ لا يتجزأ من إنسانيته ويقبع خلف كل قرار وكل شعور وكل سلوك مختبئاً خلف أستارٍ تمنع وعينا بوجوده…ـ
‏ولكني ذكرت تحفظاً في بداية المقال…ـ
‏مهما ظننّا عن دوافعنا للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي وما يجذبنا له، إلا أن عقولنا غير مهيّأة لأن تتواصل مع ما لا يعي ويشعر. لذلك فإني أجد أن من يستخدم الذكاء الاصطناعي يبدأ تدريجياً في إنشاء تخييل لا مَوْعيّ (على الأقل في البداية) بإنسانية الذكاء الاصطناعي! لكنه إنسان يناسب ما نريده في الإنسان. هو بشريّ يحقق لنا كل ما تحدثت عنه أعلاه… وهنا يكمن الخطر الحقيقي، ألا وهو أنه بذلك يكون بديلاً جاذباً للبشر يُغنينا عن بشريتنا التي نرى فيها ما يمنعنا من تحقيق تخييلاتنا!ـ
‏وكأننا نبدأ علاقة ليست بعلاقة يدفعنا لها كونه ليس إنساناً، ثم نؤنسنه، ولكننا قد نفقد خلال ذلك شيئاً من إنسانيتنا.ـ
والله من وراء القصد

Back to Top